السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
77
مفاتيح الأصول
أقل كان بالترجيح لو لم يقم عليه الدليل أحق لا يقال هذا إنما يتم لو جعل المفسدة في وضعه لأحدهما أصل التجوز في الآخر وأما لو جعلت انحصار طريق استعماله في ذلك الآخر في التجوز فلا لظهور أن اللفظ عند وضعه للقدر المشترك يجوز استعماله في كل واحد من أفراده بطريق الحقيقة وذلك بأن يستعمل فيه لا من حيث الخصوص بل من حيث العموم ويستفاد الخصوص من القرينة وصرّح المحققون بذلك حينئذ فالمراد بلزوم المجاز في أحدهما لو فرض أنّه في أحدهما حقيقة لزومه دائما والحاصل أنّه ليس المراد من إثبات كونه موضوعا للقدر المشترك الفرار من المجازية حتى يرد أنها لازمة في صورة الاشتراك المعنوي بل الغرض الفرار من انحصار طريق الاستعمال فيها لأنا نقول لا نسلَّم أن مجرد عدم الانحصار يوجب الترجيح إذ لا شاهد عليه نعم لو ثبت أن الغالب في استعمال لفظ المشترك المعنوي في أفراده كونه على جهة الحقيقة لكان لترجيحه وجه لدوران الأمر حينئذ بين كون الاستعمال المتحقق حقيقيّا ومجازيا فيرجح الأوّل لغلبة الاستعمال الحقيقي على المجازي ولكنه ممنوع وقد يقال إن الغالب في استعمال اللفظ في المعنيين إذا كان بينهما جامع قريب الاشتراك المعنوي وكون اللفظ موضوعا له فتأمل والتحقيق أن يقال إن للمسألة صورا إحداها أن يعلم كون اللفظ مستعملا في خصوص المعنيين وغير مستعمل في القدر المشترك والظاهر حينئذ عدم كونه موضوعا للقدر المشترك وإلَّا لكانا مجازين بلا حقيقة وهو إما محال عقلي أو عادي أو نادر الوقوع وعلى أي تقدير يحصل ظهور عدم الوضع له الثانية أن يعلم بالأوّل ويشك في الثاني ولا يبعد إلحاق هذه بالأولى لأصالة عدم الاستعمال في القدر المشترك مع لزومه تعدد المجاز حينئذ والأصل عدمه الثالثة أن يعلم بالأوّل ويعلم بالاستعمال في القدر المشترك وفي هذه وجهان أحدهما الحكم بالوضع للقدر المشترك لأن الغالب في اللفظ المستعمل في المعنيين كونه موضوعا للقدر المشترك بينهما الثاني التوقف للزومه التجوز في المعنيين فيتعدد المجاز والأصل عدمه ولا يبعد ترجيح الأوّل الرابعة أن لا يعلم بالأوّل ولا بالاستعمال في القدر المشترك ويكون المقطوع هو إرادة المعنيين عند إطلاق اللفظ مرتين وفيه إشكال ولعل التوقف أولى الخامسة أن لا يعلم بالأول ويعلم الاستعمال في القدر المشترك وهنا لا يبعد ترجيح الوضع للقدر المشترك هذا ولو طلب في جميع الصور المتقدمة أمارة تفيد الظن بالوضع لكان أحرى وإن لم يتمكن منها فيحتاط في مقام الاستنباط من الخطابات الشرعية لأن الظهور المدعى سابقا ليس مما يطمئن به النفس وإن كان ينفع للتأييد القريب من الاستدلال ثم إنّه على تقدير عدم الوضع للقدر المشترك فهل يحكم بالاشتراك اللفظ أم يتوقف التحقيق الثاني ولكنه في الثمرة غالبا يوافق الاشتراك اللفظي وكذا إذا كان اللفظ مستعملا في معنيين لم يكن بينهما قدر مشترك قريب مفتاح اللفظ إذا استعمل في معنيين ولم يعلم أنّه في أيّهما حقيقة وكان اللازم على أحدهما التأسيس وعلى الآخر التأكيد كان الأصل وضعه للأوّل لرجحان التأسيس على التأكيد مع أصالة عدم الاشتراك مفتاح إذا استعمل اللفظ في معنى ولم يعلم أنّه معنى حقيقي أو مجازي فهل يجوز الحكم بأنه المعنى الحقيقي بمجرد الاستعمال فيكون هو من أمارات الحقيقة أو لا بل يجب التوقف فلا يكون الاستعمال مما يدل على الحقيقة اختلف الأصوليون فيه فذهب جماعة إلى الثاني منهم الشيخ في العدة والمحقق في المعارج والعلامة في موضع من التهذيب وابنه فخر الإسلام في الإيضاح وجمال الخونساري ووالده واحتج جماعة من هؤلاء بأن الاستعمال كما يوجد مع الحقيقة كذلك يوجد مع المجاز فهو أعم منهما والعام لا يدل على شيء من أفراده بشيء من الدلالات وفيه نظر أمّا أولا فلأنه منقوض بأصالة وجوب حمل اللفظ على المعنى الحقيقي مع أن المراد من اللفظ كما يمكن أن يكون المعنى الحقيقي كذلك يمكن أن يكون المعنى المجازي فما هو الجواب هنا فهو الجواب هناك فتأمل وأما ثانيا فلأن العام قد يدل على بعض أفراده بانضمام مقدمة أخرى من غلبة وجوده في ذلك الفرد ونحوها وأكثر الأصول الشرعية من هذا القبيل كما لا يخفى فتأمل وذهب السيّد المرتضى وابن زهرة إلى الأوّل ويمكن استفادته من جماعة من الأصوليين ولهم وجوه الأوّل ما تمسك به في الذريعة والغنية من أن لغة العرب إنما يعرف باستعمالاتهم وكما أنهم إذا استعملوا اللفظ في المعنى الواحد ولم يدلَّونا على أنهم متجوزون قطعنا بأنه حقيقة فيه فكذلك إذا استعمل في المعنيين المختلفين الثاني ما تمسك به في الكتابين أيضا من أن الحقيقة هي الأصل والمجاز طار عليها بدلالة أن اللفظ قد يكون لما حقيقة في اللغة ولا مجاز لها ولا يمكن أن يكون مجاز لا حقيقة له في اللغة وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون الحقيقة هي التي نقيضها ظاهر الاستعمال وإنما يعدل عنه إلى المجاز بالدلالة الثالث ما تمسك في الذريعة من أن الاستعمال في المعنى المشكوك في كونه حقيقة ومجازا لا يخلو في الواقع عن أحدهما فإن كان الأوّل فهو المطلوب وإن كان الثاني لعلمنا به إما بتنصيص أهل اللغة وبالظَّاهر من حالهم وحيث لم يعلم به بالأمرين لأن وجود الخلاف يمنعهما فلم يكن ثابتا لا يقال لا ينحصر العلم به في الأمرين المشار إليها لجواز أن يعلم من الاستدلال لأنا نقول كيف وجب في كل شيء تجوز أهل اللغة به من الألفاظ واستعملوه في غير ما وضع له كالتشبيه في حمار وأسد والحذف والزيادة في نحو قوله تعالى وجاء ربّك وليس كمثله شيء ونظائر ذلك حصول العلم الضروري بذلك بغير إشكال ولا حاجة إلى نظر واستدلال ولم يجب مثلا ذلك هاهنا وكيف وقف التجوز في هذا الموضع على الاستدلال ولم يعهد مثله في باب المجاز وفي خروج هذا الموضع عن بابه دليل